غلاف كتاب جوريا داماسكيا سلمى حداد

إعداد | هيئة تحرير دار خياط

«جوريا داماسكينا» لسلمى جميل حداد: الهوية بوصفها تركيبةً حيّة

يتعثر بيير دوتفيل في نطق اسم جوريا سعد، يسألها عن معناه ثم يعيد تسميتها «روزا داماسكينا»، أي الوردة الدمشقية. تبدو اللحظة عابرة في سياق اللقاء الأول بمدينة غراس، لكنها تختزن الحركة العميقة التي تنتظم الرواية: الاسم ينتقل إلى لغة أخرى من دون أن يفقد أصله، والهوية تصبح أكثر وضوحاً عبر التحول. غادرت جوريا دمشق لتتعلم صناعة العطور، واكتشفت عبر الرحلة أن ما حملته من مزرعة الجوري قادر على أن يصير معرفةً ومهنةً وصيغةً خاصة لحضورها في العالم.

تمنح البنية الزمنية هذه الفكرة شكلاً سردياً محسوساً. تبدأ الرواية من حاضر مشحون في مشفى دمشقي، حيث ترقد جوريا بين الوعي والغياب، ثم تعود إلى طفولتها وأسرتها ورحلتها إلى فرنسا. تأتي الاستعادة على هيئة طبقات، مبتعدةً عن مسار السيرة الخطية الصاعد من البدايات إلى النجاح، وتكشف تدريجياً ما تراكم تحت الاسم اللامع من حب وفقد وذنب وأسرار عائلية ومهنية. وكل عودة إلى الماضي تغيّر دلالة الحاضر، كما تفعل النفحات المتعاقبة في تركيبة عطر لا تمنح سرها دفعةً واحدةً.

تتشكل جوريا بين مكانين يعيشان داخلها معاً. تمنحها دمشق مزرعة الجوري، وعلاقتها الحميمة بجدها ممدوح، وذاكرة البيت بما فيها من دفء وصراع. وتمنحها غراس فضاء الدراسة والتجريب والعمل واكتشاف القدرة الفردية. تحضر المدينتان بوصفهما خبرتين متداخلتين، لكل منهما عطاؤها وقيودها وغياباتها. ويصير السفر اتساعاً في وعي الشخصية بنفسها أكثر من كونه عبوراً من ماضٍ مغلق إلى مستقبل مفتوح. إنها تحمل دمشق إلى غراس، ثم تعود إلى دمشق وقد تغيرت زاوية نظرها إلى العائلة والمكان وإلى حقها في اختيار حياتها.

يؤدي العطر دوراً يتجاوز المهنة والموضوع. ففي محاضرات بيير عن البصمة العطرية وكيمياء الجسد تتردد فكرة أن للرائحة سمةً عامةً وشيفرةً خاصةً تنشأ من تفاعلها مع كل جسد وذاكرة. وعلى هذا النحو تبني الرواية تصورها للهوية: عناصر مشتركة وموروثة تدخل في تجربة فردية فتنتج حضوراً لا يتكرر. يحتفظ الإنسان بأثر الأصل، ويبلغ هذا الأثر اكتماله حين يمتزج بما يختبره ويختاره ويصنعه. ومن هنا يغدو اختصاص جوريا امتداداً عضوياً لمسارها؛ فهي تحوّل الورد الدمشقي بالعلم والعمل من رمز موروث إلى مادة للابتكار.

وتبلغ هذه الرؤية كثافتها في «كونترا أنسامبل»، العطر الذي تسعى جوريا إلى جمع مكونات متضادة في قارورة واحدة من غير أن يطغى أحدها على الآخر. الاسم نفسه يصلح مفتاحاً لبنية الرواية: دمشق وغراس، الجوري واللافندر، الحضور والغياب، الطموح والحنين، الحب والذنب. وتكشف الرواية صعوبة إبقاء هذه الأضداد متجاورةً داخل حياة واحدة، بعيداً عن المصالحات السهلة. هكذا تتحول صناعة العطر إلى صورة للعمل الروائي ذاته؛ فالكاتبة تجمع أصواتاً وأزمنةً وأمكنةً متباعدة، وتبحث عن الخيط الذي يمنحها وحدةً مع الاحتفاظ باختلافها.

تستمد شخصية جوريا قوتها من اقتران التحول الداخلي بالفعل. يبدأ حلمها باختيار دراسة الكيمياء، ويترسخ عبر سنوات المختبر والتدريب وصناعة التركيبات وقيادة فريق العمل. حتى علاقتها ببيير تنمو داخل مجال معرفي مشترك؛ فهو يكتشف موهبتها ويشجعها على تطويرها، وهي تشارك لاحقاً في حلمه البحثي. ويحفظ هذا المسار للبطلة استقلالها داخل قصة الحب التي تشغل مساحةً واسعةً من وعيها؛ فتستمد قيمتها من فعلها واختياراتها، وتظل مهنتها محوراً أصيلاً في الحكاية. الطموح والحب خطان يتقاطعان ويؤثر كل منهما في الآخر، من دون أن يذوب أحدهما تماماً في عالم الثاني.

تخدم اللغة هذا العالم عبر كتابة حسية تجعل الرائحة والطعام والمطر والقهوة وسائل لإدراك المكان والذاكرة. ويكشف تيار الوعي عن تردد جوريا ومخاوفها ومفارقاتها، بينما تمنح الدعابة في مشاهدها مع بريجيت والجدة نزيهة السرد قدراً من الخفة ويقظة الملاحظة اليومية. كما يفتح انتقال وجهة النظر إلى صفوان نافذةً أخرى على البطلة، فنراها من خارج وعيها امرأةً شديدة التنظيم والوفاء، محاطةً بالحب الصامت وبالأطماع التي يثيرها نجاحها. ومع خط سرقة التركيبات والاكتشاف الجديد، يتصل الطموح الفردي بسؤال الملكية الفكرية والجشع الذي يترصد الإبداع.

بهذا المعنى تقرأ «جوريا داماسكينا» الهوية بوصفها فعلاً من أفعال التكوين. يجتمع اسما جوريا سعد وروزا داماسكينا في شخصية واحدة تتسع لما ورثته وما صنعتْه بنفسها. وتغدو العالمية ثمرةً ممكنةً للجذور حين تتحول الجذور إلى معرفة تتجاوز مجرد الإقامة البعيدة عنها. ومن هذه المسافة تترك الرواية سؤالها الأبعد: هل يكون الوفاء للماضي في تكراره، أم في منحه حياةً جديدةً لم تكن ممكنةً من قبل؟

Scroll to Top