
بقلم | نضال برقان
المصدر | الدستور – عمّان
نشارك هذا الحوار المنشور في صحيفة الدستور للكاتب نضال برقان، ضمن مشروع «السردية الأردنية.. الأرض والإنسان»، والذي يستضيف الأديب والباحث محمد عبد الفتاح حليقاوي في قراءة فكرية لدور الإبداع في تشكيل الوعي والهوية الوطنية.
الباحث محمد حليقاوي: السردية الأردنية.. هوية تُبنى بالمعرفة وتُصان بالمنهج
«السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.
في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الأديب مُحمَّد عبد الفتاح حليقاوي، وهو باحث أردنيّ وخبير تربوي في الدراسات الاجتماعية في الأمم المتحدة، عضو رابطة الكتَّاب الأردنيين، وأصدر مجموعة من الكتب في التاريخ والثقافة العربية والفكر الإسلامي، كما حصل على عدَّة جوائز عربية ودولية في البحث العلمي…
كيف ترى مفهوم «السردية الأردنية» الخاصة بكتابة تاريخ الأردن، خارج الإطار التعريفي الرسمي؟ هل تراها رواية جامعة، أم فسيفساء من الروايات المتجاورة؟
– إن السرديَّة التَّاريخية الوطنيَّة تُمثِّل البناء الفكريّ الذي يُعيد صياغة الأحداث التاريخية بطريقة تساهم في تعزيز وحدة الشعب وتماسكه، وفي السياق الأردنيّ، فإنَّ هذه السرديَّة تمتدُّ في التاريخ العريق لأهل هذه الأرض وجذروهم الحضاريَّة، وبصورة أوضح فإنَّ السرديَّة الوطنية ليست مجرَّد تسلسل زمنيّ للأحداث، بل هي إطار يُحدِّد رؤية الإنسان الأردنيّ لتاريخه، بحيث تعكس القيم الوطنية وتوحِّد الأجيال المختلفة حولها، ومِنْ أبرز مداخل فهم وتفسير هذه السردية الأردنيَّة ضرورة دراسة التنوُّع الثقافي والتاريخي الذي شكَّل الهوية الوطنيَّة في التاريخ الحديث، إلى جانب تفرُّد الأردن باستمرارية دولته وقيمها الجوهرية في محيط دائم التغيير، وصولاً إلى دور النُّخبة الوطنية والثقافية وأدوارها في تشكيل الهوية الأردنيَّة، وعليه فإنَّ السرديَّة الوطنية الأردنية لا تنقصها الكتابة وإنما القراءة والتحليل والتفسير والتماهي والتمثُّل والمنهج.
أين يقف مشروعك الإبداعي داخل هذه السردية؟ هل تكتب من موقع الشاهد، أم الناقد، أم الباحث عن زاوية مختلفة؟
– يمكن القول بأنَّ الوظيفة الكبرى للباحث الأردنيّ ليست «إحياء» التاريخ ونصوصه وبالتالي استعادته بصورة ما، لأن هذا يتنافى مع تفرّد الإنسان الأردنيّ في صنع تاريخه الحاضر، وهي ليست كذلك انتقاء الصفحات المشرقة هنا وهناك، وإنما أبرز التحديَّات ضمن هذه السرديَّة يتمثَّل في وضع تاريخنا ونصوصه في مكانها الحقيقي، عندها فقط يمكن دراسة التاريخ الأردني الحديث وسردياته الكبرى بعيداً عن إشكاليات التحيُّز والأبواب المغلقة، إذ التعامل مع تاريخنا الأردني كظاهرة وكينونة إنسانية ومشروع بناء له مدخلاته ومخرجاته ومؤثراته الخاصة هي إحدى الخطوات التأسيسية الأولى نحو قراءة موضوعية علمية لهذا التاريخ ونصوصه ومنجزاته.
إلى أي حد تتشكل الهوية الأدبية من الجغرافيا؟ وكيف يتجلى المكان الأردني في أعمالك بوصفه معنى لا مجرد خلفية؟
– ليــس المكـان حيـّزاً جغرافيـَّاً أو بُعْــدَاً هندسيـاً مجـرَّداً، تقـع فيـه الأحــداث، ويتحـرك فيـه الإنسان وحسب، بل هو الركن الأساس في الهويَّة الأدبيَّة، ولا يتجلَّى المكـان منعـزلاً عـن بـاقي عنـاصر السـرد، وإنمـا يدخـل في علاقـات متعددة مع الإنسان والثقافة والأحداث والزمن، وهذا ما جعله من أهم مفـاتيـح قـراءة النصوص، وأسعى في كل دراسة أو عمل جديد أنْ يكون المكان الأردنيّ حاضراً وشريكاً في المعنى والمبنى، مع أني أرى مصطلح الفضاء الأردنيّ أعمق من لفظة المكان لأنه يشير إلى ما هو أعمق من التحديد الجغرافي، كما يسمح لنا بالبحث عن فضاءات أردنية تتجاوز المحدود والمجسَّد، بحيث يغدو الأردن في الكتابة هو المبتدأ والمنتهى.
الأردن تشكّل عبر الزمن من حكايات بشر قدموا من جغرافيات وتجارب مختلفة، ثم انصهرت هذه الحكايات في قصة واحدة للمكان والدولة. إلى أي حد استطاع الأدب الأردني أن يلتقط هذا التعدد الإنساني بوصفه مصدرًا لثراء الهوية، لا مجرد خلفية تاريخية للسرد؟
– يبدو جلياً ضمن أي دراسة وثائقية أو موضوعية حول الأدب الأردنيّ مدى عمق وتعظيم النظر إلى الهوية الوطنيَّة والمكان الأردنيّ وحجم المودَّة والمروءة داخل المجتمع، غير أنَّ التحدّي الحقيقي هو ظاهرة الوأد الثقافي الذي مارسته مؤسسات وأفراد بحق مجموعة من الكتَّاب والأعمال بحيث ظلَّت حبيسة التغييب والتهميش بينما كانت قادرة على تقديم خطاب أدبي وإبداعي يعبّر عن حكاية الإنسان الأردني وتاريخه ومكانه وهمومه بصورة ناصعة.
المشروع يركز على «الإنسان الذي صنع التاريخ»؛ من هو هذا الإنسان في نصوصك؟ البطل؟ المهمّش؟ أم الصوت الصامت؟
– في البَدْء كان الإنسان، وفي النهاية يكون الإنسان، وفيما بينهما ينعقد الاتفاق على أنَّ التحدي الحقيقيَّ الذي يواجه الإنسان الأردنيّ، قديماً وحديثاً، هو تأسيس سلطته الفكرية مباشرة من ثقافته وخصوصيته وتراثه وتاريخه وانتماءه لدولته ومجتمعه، دون وساطةٍ، أو وصايةٍ، أو شريكٍ استراتيجيّ، ولا سيَّما إذا كان هذا الإنسان يحمل العلم والنهضة والبناء، وداعياً إلى التحديث الاجتماعيِّ والثقافي، إذ ليس وراءه سند من تراث يشدُّ من أزره سوى هذا الوطن، ولذا أكتب عن الإنسان الأردني وحسب لا البطل الخارق ولا الضحية الصامتة.
كيف يمكن للإبداع أن يقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن -مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة- دون أن يتحول إلى خطاب تقريري؟
– إنَّ الفصل المنهجي بين الأردن بوصفه الوطن والتاريخ والهوية والمنجز الحضاري والدراسات الرغائبية وتوظيف وانتقاء الحدث التاريخي لغايات خاصَّة هو الخطوة الأولى وليست الوحيدة على طريق تحقيق وحدة المنهج ووحدة التحليل ووحدة النظر للتاريخ الأردنيّ ومحطاته المفصليَّة، مع ضرورة الإشارة هنا إلى إمكانية أن يؤدي الحياد الزائف والموضوعية المبتسرة إلى جعل المؤرخ الأردنيّ شريكاً في إيجاد وعي زائف من جهة، وابتعاده عن الواقع نتيجة هذا الوعي الزائف والمثالي من جهة أخرى، وبدلاً من تكوين المؤسسيَّة العلمية التاريخية ينتشر النقد الشكلاني والتخديري للنصوص التاريخية بصورة متزايدة.
هل يمكن أن تتعايش السردية الوطنية الجامعة مع سرديات الاختلاف والألم والاحتجاج، أم أن بعض الحكايات تُؤجَّل دائمًا؟
– ليس مطلوباً من السرديَّة الوطنية أو الخطاب التاريخي الأردني أن يتعايش مع سرديَّات الاختلاف او الاحتجاج أو الألم، وإنما المنشود تقديم هذه السردية الوطنية الأردنية في سياقها المنهجيّ وأسلوبها العلميّ وحقائقها الثابتة فهي تاريخنا كما هو وللآخرين اختلافهم وآلامهم واحتجاجهم، بينما تأجيل أو تغييب بعض الأحداث التاريخية في عصرنا المعرفيّ والرقميّ هذا يندرج في إطار النكوص عن مواجهة العالَم، وبالتالي يجب استئناف قراءة ونقد وتفسير السردية الوطنيَّة وفق المنهجيَّة والموضوعية والبقاء والثبات سيكون للأرض وأصحابها وروايتهم من خلال الوثيقة والشهادات الشفوية والبحوث الاجتماعية والاقتصادية.
كيف نوازن بين الانتماء الوطني وحرية الكاتب في النقد والمساءلة؟
– الانتماء الوطني الحقيقي للأردن وتاريخه وسردياته يستلزم المزيد من النقد والمساءلة والتمسُّك بالحريَّة، إذ أنَّ تماسك سرديَّة الأردن التاريخية وهويته يرتبط بصورة مباشرة بتعزيز الشفافية في الوصول إلى المعلومات والوثائق، واتساع مساحة الكتابة النقدية، وانبثاق تيار جديد في المدرسة التاريخية الأردنية عنوانه الرصانة والدقَّة والأمانة العلمية في الكتابة، ومضمونه الانتماء إلى قضايا الإنسان والوطن في الأردن، وغايته النهوض بالحاضر واستشراف المستقبل، وهذا كله لا يمكن تحقيقه دون ظهور جيل جديد من المؤرخين والكتَّاب والأدباء في سياق مؤسسات أكاديمية وبحثية وإعلامية أردنية يقودها أصحاب الكفاية والاختصاص والمعرفة.
في رأيك، ما الذي لم يُحكَ بعد في القصة الأردنية؟
– نحتاج إلى البحث في الخطوط الخلفيَّة للتجربة الأردنية منذ تأسيس إمارة شرق الأردن حتى اليوم إلى جانب التاريخ السياسي الذي يهيمن على مجموع الدراسات التاريخية، ودراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ساهمت في بناء مؤسسات الوطن، واستقراء وتحليل أثر الانتقال من حياة البادية والأرياف إلى المدينة، والاهتمام بالروايات الشفوية، والمذكرات الشخصية، واستنطاق سجلات المحاكم الشرعية ومديريات الأراضي، وحكايات بناء الجامعات والمستشفيات والمدارس والجيش العربي.
إذا طُلب منك أن تكتب فصلًا موجَّهًا إلى الأجيال القادمة ضمن «السردية الأردنية»، ماذا سيكون عنوانه؟
– أسعى منذ سنوات إلى جمع وتوثيق وتصنيف كل ما يتعلَّق بالنخبة الوطنية الأردنية سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً من أجل كتابة دراسة شاملة حول تكوين تلك النخبة وآثارها وتحدياتها وأدوارها في بناء الأردن الحديث منذ تأسيس إمارة شرق الأردن حتى أواخر القرن العشرين.
كيف ترى دور الشباب في إعادة صياغة هذه السردية بلغة العصر الرقمي وتحولاته؟
– مما لا شكَّ فيه انَّ الشباب الأردنيّ هم نصف الحاضر وكل المستقبل، ولديهم الكفايات والمؤهلات للتماهي مع العصر الرقمي وتحولاته، ولكن من الأهمية بمكان أن يجد هؤلاء الشباب مشروعاً وطنياً ومدرسة تاريخية ومؤسسات بحثية تُقدِّم مجهودها الفكري والتاريخي والثقافي حول السردية الأردنية بما يتيح لهم استكمال المسيرة وترشيد التجربة الكتابية وتوطين المنهجية في الكتابة والتفكير والتحليل.
بجملة واحدة: ما الذي يجب ألا ننساه ونحن نكتب قصة الأردن؟
– يجب أن تضمّ السردية الأردنية مجموعة أركان هي الإنسان والأرض والدولة، ومشروع كتابة واستقراء تاريخ الأردن هذه الأركان سنده ومتنه وإسناده.





