
إعداد | هيئة تحرير دار خياط
حين يصبح الصمت شريكاً في الجريمة
قراءة في كتاب «الشيطان لم يعد يقيم بيننا» لإبراهيم محمود
ليست صعوبة الكتابة عن سفاح القربى ناجمةً عن حساسية الموضوع وحدها، بل عن وقوعه في منطقة تتقاطع فيها المحرّمات الدينية والأخلاقية والعائلية، وتتضافر حولها مشاعر الخوف والعار والإنكار. فالأسرة التي يُفترض أن تكون المجال الأول للأمان قد تتحول، في بعض الحالات، إلى مكان للخطر؛ ويصبح الصمت الذي يحمي صورتها الخارجية غطاءً يحجب ما يجري في داخلها. من هذه المنطقة الشائكة ينطلق الباحث والمفكر إبراهيم محمود في كتابه «الشيطان لم يعد يقيم بيننا: دراسة في سفاح القربى»، محاولاً إخراج الظاهرة من دائرة الهمس والفضيحة إلى مجال السؤال الثقافي والمعرفي.
يحمل العنوان منذ البداية مفارقة دالة. فالقول إن الشيطان لم يعد يقيم بيننا لا يعني اختفاء الشر، وإنما التشكيك في سهولة إحالته إلى قوة غيبية تقع خارج الإنسان. لا يريد المؤلف أن يكون «الشيطان» تفسيراً جاهزاً يريح الفاعل والمجتمع معاً، أو ذريعةً تُعفى بها البنى العائلية والتربوية والاجتماعية من مسؤولياتها. فالانتهاك، وفق المنظور الذي يقترحه الكتاب، لا يصدر عن كائن غامض يتسلل إلى الإنسان من الخارج، بل يقع داخل شبكة بشرية قابلة للفحص: سلطة غير متوازنة، وكبت ممتد، وحدود عائلية منهارة، وصمت يقي الجاني أحياناً أكثر مما يحمي الضحية.
تكمن أهمية الكتاب أولاً في شجاعته على تسمية ما تفضّل مجتمعات كثيرة إبقاءه بلا اسم. غير أن هذه الشجاعة لا تتخذ هيئة الإثارة المجانية، وإنما تنبع من قناعة واضحة بأن الصمت لا يلغي الظاهرة، وأن الامتناع عن دراستها لا يحمي المجتمع منها. بل قد يؤدي الخوف من الفضيحة، والحرص على صورة الأسرة، والتردد في منح الضحية حق الكلام، إلى إدامة الانتهاك وإخفاء آثاره. وهنا تنتقل المسألة من كونها فعلاً فردياً معزولاً إلى كونها اختباراً أخلاقياً للمجتمع نفسه: كيف يصون روابط القربى من دون أن يحوّل قدسيتها إلى ستار يمنع المساءلة؟
لا يتعامل إبراهيم محمود مع سفاح القربى باعتباره واقعةً جنسية فحسب، بل بوصفه خللاً يصيب مفهوم القرابة ذاته. فالقربى ليست مجرد رابطة بيولوجية، وإنما نظام من الحدود والأدوار والواجبات والضمانات المتبادلة. وحين يعتدي الأب أو الأم أو أحد الأقارب على هذه الحدود، لا يكون ما حدث مجرد تجاوز لمحظور جنسي، بل انهياراً للمعنى الذي تنتظم به العائلة: معنى الأبوة والأمومة والبنوة والأخوّة، والفاصل الضروري بين الرعاية والاستحواذ، وبين الحنان والرغبة، وبين السلطة والحماية.
ومن أبرز خصائص الكتاب اتساع أفقه الأنثروبولوجي. فهو لا ينسب تحريم سفاح القربى إلى ديانة بعينها أو مجتمع بعينه، وإنما يعيده إلى تاريخ إنساني أوسع، سابق في بعض مظاهره على الأديان المدوّنة. ومن خلال العودة إلى المجتمعات القديمة، والطوطم، وأنظمة الزواج، وأشكال القرابة، يبيّن أن هذا الحظر كان من القواعد التي ساعدت الجماعات البشرية على تنظيم وجودها وحماية تماسكها. وبهذا يحرر الموضوع من القراءة الأخلاقية الضيقة، من دون أن يجرّده من خطورته الأخلاقية؛ إذ يكشف أن منع سفاح القربى لا يرتبط فقط بمفهومي الحلال والحرام، بل بضرورة تأسيس الاختلاف، وضبط السلطة داخل الأسرة، وفتحها على علاقات اجتماعية تتجاوز انغلاقها على ذاتها.
يستفيد المؤلف في هذا المسار من إرث أنثروبولوجي وتحليلي نفسي وفلسفي واسع، مستحضراً أسماء مثل جيمس فريزر وسيغموند فرويد وكلود ليفي-شتراوس وماري دوغلاس، ومتوقفاً عند أسطورة أوديب وما أثارته من أسئلة حول الرغبة والمنع والقرابة. كما يفرد فصلاً للمركيز دو ساد وجورج باتاي، لا ليضعهما في مستوى واحد، بل ليتتبع من خلالهما تحولات النظر إلى الجسد والرغبة والمحرّم في الفكر والأدب الغربيين. وهذا التنوع المرجعي يمنح الكتاب قدرةً على نقل الموضوع بين التاريخ والأسطورة والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا والنقد الثقافي.
لكن المؤلف لا يكتفي باستعادة النظريات، بل يضعها في مواجهة الواقع العربي، حيث تكتسب الظاهرة تعقيداً إضافياً بفعل المكانة الرمزية الكبرى للعائلة، وضعف آليات الإفصاح والحماية، والخلط بين صون الأسرة وصون سمعتها. ومن أكثر أفكار الكتاب وجاهةً أن تقديس الرابطة العائلية لا ينبغي أن يؤدي إلى تحصين مَن ينتهكها. فالستر، حين يحرم الضحية من الكلام ويحول دون مساءلة المعتدي، لا يعود فضيلةً أخلاقية، وإنما يصبح جزءاً من آلية استمرار الجريمة.
ويتوقف الكتاب عند التناقض القائم بين التشدد الظاهري في الحديث عن الجسد وبين الحضور الكثيف للمكبوت الجنسي في الحياة الاجتماعية. فالمجتمع الذي يمنع المعرفة الهادئة بالجسد، ويختزل التربية في التحريم والتخويف، قد يترك أفراده أكثر عرضةً للجهل والاضطراب والابتزاز. من هنا تأتي دعوة الكتاب الضمنية إلى منح الجسد مكانه في التربية والمعرفة، لأن مواجهة الانتهاك لا تتحقق بالوعظ وحده، ولا بتكرار مفردات اللعن والإدانة، وإنما ببناء وعي واضح بالحدود الجسدية، وبحقوق الطفل، وبمعنى الموافقة، وبمسؤولية البالغين داخل الأسرة.
ويضيف الملحق المعنون «ثالوث الشبهات: غرفة النوم، المطبخ، والحمّام» بُعداً مكانياً إلى الدراسة. فالمؤلف يقرأ البيت لا باعتباره فضاءً محايداً، بل بوصفه بنيةً من الأمكنة التي تتوزع فيها الخصوصية والسلطة وإمكانات التلصص والانتهاك. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من نقلها السؤال من التجريد إلى الحيز اليومي المباشر: كيف تُصان الخصوصية داخل البيت؟ وكيف تُرسَم الحدود بين أجساد أفراده؟ ومتى يتحول القرب المكاني، إذا غابت الحدود التربوية والأخلاقية، إلى فرصة لإساءة استعمال السلطة؟
كما يلفت الكتاب إلى أثر المحتوى الإباحي الرقمي الذي يعيد تمثيل علاقات القرابة بوصفها مادةً للإثارة، ويمحو المسافة بين الخيال التجاري والواقع الاجتماعي. ولا ينظر المؤلف إلى هذه المشاهد باعتبارها تعبيراً عن تحرر جسدي، بل يميز بوضوح بين الإيروتيكا بما قد تحمله من قيمة فنية وإنسانية، والبورنوغرافيا القائمة على اختزال الإنسان إلى عضو ورغبة. وتزداد خطورة هذا المحتوى، في نظره، حين يصل إلى بيئات تفتقر إلى التربية الجنسية والمعرفة النقدية، فيجد المتلقي نفسه بين تحريم مطلق لا يفسر شيئاً وصناعة رقمية تستثمر أكثر الغرائز التباساً.
لا يقدم «الشيطان لم يعد يقيم بيننا» وصفةً جاهزة لمعالجة ظاهرة شديدة التعقيد، ولا يدّعي أن كتاباً واحداً قادر على الإحاطة بتاريخها النفسي والاجتماعي والقانوني. إنما تكمن قيمته الأساسية في فتح الملف، وفي رفض التفسير المريح الذي يطرد الشر إلى خارج الإنسان. فالمشكلة لا تُواجَه بلعن الشيطان، بل بفهم الشروط التي تسمح للانتهاك بأن يقع، والسلطات التي تحميه، والثقافة التي تمنع الضحية من الإفصاح عنه.
إنه كتاب يضع قارئه أمام سؤال يتجاوز موضوع سفاح القربى إلى طبيعة علاقتنا بالمحرّم عموماً: هل نحمي المجتمع حين نمنع الكلام عن جراحه، أم نترك تلك الجراح تتعمق في العتمة؟ وفي هذا السؤال تحديداً تتجلى قيمة الكتاب؛ إذ يدفعنا إلى الانتقال من الإنكار إلى المعرفة، ومن الخوف على صورة العائلة إلى الخوف على أفرادها، ومن تعليق المسؤولية على قوة غيبية إلى مساءلة الإنسان والمؤسسة والثقافة.
فالشيطان، في المعنى الذي يلمّح إليه العنوان، لم يعد تفسيراً كافياً. وما دام الفعل إنسانياً، والصمت اجتماعياً، والضرر واقعاً على أجساد بشرية ونفوس بشرية، فإن المسؤولية لا يمكن أن تكون إلا مسؤولية البشر.





