«دمشقي»: مدينة تعبر أربعين عاماً من عدسة سامر قزح
ثمة مدن نصادفها في الصور بوصفها أمكنة، ومدن تكشف الصورة مقدار الضوء الذي استقر فيها. دمشق سامر قزح تنتمي إلى الثانية. فكتاب «دمشقي» لا يبني صورته عن المدينة من معالمها وحدها، وإنما من تراكم النظرات إليها على امتداد أربعين عاماً؛ من أوائل الصور المؤرخة عام 1983 إلى صور التقطت عام 2023. وبين التاريخين تتغير أشياء كثيرة، لكن عين المصور تحتفظ بعلاقة تكاد تكون ثابتة مع موضوعها: الاقتراب من دمشق بما يكفي لرؤية ما يحدث في داخلها، لا الاكتفاء بمشهدها الخارجي.
لهذا تبدو العبارة التي يفتتح بها قزح الكتاب مفتاحاً مناسباً لقراءته. دمشق عنده «العالية… المتعالية، الحانية، الرزينة، العميقة»، وهي أيضاً «القريبة القريبة… البعيدة القريبة». هذه الصفات المتجاورة لا تقدم وصفاً للمدينة بقدر ما تحدد طبيعة العلاقة بها: ألفة لا تلغي المسافة، وقرب يسمح باكتشاف الغرابة داخل المألوف. ومن هذه المنطقة تحديداً تأتي قوة عدد كبير من الصور. المصور يعرف المدينة التي يصورها، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها شيئاً يعرفه سلفاً.
يبدأ الكتاب بمشاهد واسعة لدمشق وقاسيون والمدينة القديمة، ثم يضيق المجال البصري شيئاً فشيئاً. ندخل الأزقة، نعبر الأقواس والممرات، نصل إلى الأبواب والباحات والأسواق. وهذه الحركة من البعيد إلى القريب تمنح الكتاب إيقاعاً يشبه الدخول الفعلي إلى المدينة. سرعان ما تتراجع دمشق البانورامية لتظهر مدينة أخرى، تُرى من فجوة بين جدارين، أو من تحت قوس، أو عبر باب، أو في انعكاس ماء، أو في المسافة الحادة بين الظل والضوء.
ويتكرر هذا البناء في صور كثيرة حتى يصبح جزءاً من لغة قزح الفوتوغرافية. ففي صورة حارة الكزبري لعام 2019 يركض طفلان من عمق العتمة باتجاه فتحة مضيئة في نهاية الممر؛ وفي صورة حارة الجوانية لعام 2023 يتحول الزقاق إلى شريط ضوئي تحاصره كتلة سوداء كثيفة. أما صورة قصر حجاج «القبلة» لعام 2022 فتمنح الجدار وخشونته وظلال الأسلاك مساحة تكاد تفوق حضور الطريق نفسه. المدينة هنا ليست مجموعة أبنية أثرية؛ إنها علاقات بين الكتل والفراغات، بين ما يظهر وما يحتجب، وبين الحجر والضوء.
وتكشف العودة إلى الصور الأقدم أن هذا الاهتمام ليس اختياراً متأخراً في تجربة المصور. صورة حي الكلاسة الملاصق للجامع الأموي، الملتقطة عام 1985، تكتسب اليوم قيمة إضافية لأن المكان الذي صورته أزيل لاحقاً، وهي المعلومة التي يثبتها الكتاب نفسه في فهرسه. فجأة تصبح الصورة أكثر من تكوين فوتوغرافي ناجح: إنها المساحة البصرية الباقية لمكان لم يعد قائماً. هنا تظهر إحدى أهم قيم المشروع الممتد أربعة عقود؛ فالزمن الذي يفصل الصور بعضها عن بعض يعمل داخل الكتاب مثل مادة ثانية إلى جانب الضوء.
لكن «دمشقي» لا يحول المدينة إلى مرثية. الحياة البشرية حاضرة بقوة، ومن خلالها تتخلص دمشق من جمود الصورة التاريخية. بائع المسابح، قارئ القرآن في الجامع الأموي، صانع الكراسي، صانع الأعواد، الحداد، الحلاق، بائع القباقيب، بائع السكاكر، بائع الأنتيك، وصانع الأدوات الخشبية: هؤلاء لا يظهرون كـ«نماذج شعبية» أضيفت لإكمال صورة المدينة، وإنما كجزء من نسيجها البصري. المهن والوجوه والأيدي والأدوات والدكاكين تشكل معماراً موازياً لمعمار الحجر.
ومن أجمل خصائص الكتاب أن الأشخاص كثيراً ما يُتركون داخل لحظاتهم الخاصة. رجل يقرأ والنرجيلة إلى جواره، آخر يقف أمام دكانه، امرأتان تتحدثان على عتبة، امرأة تنقي العدس، أطفال يجلسون قرب حوض في باحة، امرأة أمام الشموع في الكنيسة. حتى صور ليلة القدر في بيت عيطة، بما تحمله من حركة وكثافة بشرية ودوران أجساد، تحافظ على شعور بأن المصور يشاهد حدثاً قائماً بذاته بدلاً من تنظيمه من أجل الكاميرا. يتقدم الإنسان هنا من داخل حياته اليومية، ولذلك تحمل الوجوه قوة لا تحتاج إلى افتعال درامي.
ويلفت أيضاً انتقال قزح بين الأبيض والأسود واللون. الأبيض والأسود يمنحه قدرة واضحة على بناء المكان بالظل والكتلة والخط، وخصوصاً في الأزقة والوجوه والمشاهد ذات الإضاءة القاسية. أما اللون فلا يستخدم دائماً بوصفه زينة للمشهد؛ ففي صور البيوت والأسواق والدكاكين يتحول إلى معلومة حسية عن المكان: الخشب، والحجر، والسجاد، والأقمشة، والحلوى، والأواني، والنباتات. ومن خلال التناوب بين النظامين البصريين يحتفظ الكتاب بتنوعه من غير أن يفقد وحدة النظرة.
في الصفحات الأخيرة يتغير الإيقاع مرة أخرى. نخرج من ازدحام الأسواق والأزقة إلى البيت الدمشقي والخضرة والماء، ثم إلى صور الثلج والأشجار في الإدعشرية. بعد الكتل الحجرية والأجساد والحركة، يتسع الفراغ ويهدأ المشهد. وكأن دمشق التي بدأت مدينة تُرى من بعيد تنتهي إلى طبقات أكثر حميمية: بيت، حديقة، ماء، شجرة، وذاكرة شخصية. وليس عرضاً أن يصرح قزح بأن الكتاب لدمشق «التي يسكنها وتسكنه»، وأن يهديه إلى والده أنطون قزح، «الدمشقي»، المولود عام 1912 والمتوفى عام 1991. هنا يلتقي تاريخ الصور بتاريخ العائلة، وتصبح المدينة صلة بين أزمنة متعددة.
بهذا المعنى يمكن قراءة «دمشقي» كسيرة مدينة كُتبت بالكاميرا، لكن السيرة هنا لا تدّعي الإحاطة. إنها دمشق شخص واحد، كما يدل العنوان نفسه: «دمشقي». مدينة اختبرها سامر قزح بالعيش والمشي والعمل والانتظار والنظر المتكرر، ثم عاد إليها بالصورة طوال أربعة عقود. وما يمنح الكتاب قيمته الفنية أن هذه الألفة الطويلة لم تجعل العين أقل فضولاً؛ على العكس، يبدو أن التصوير لديه كان طريقة للإبقاء على دمشق قابلة للاكتشاف.
بعد الصفحة الأخيرة تبقى صور عديدة في الذاكرة، لكن الأثر الأعمق يأتي من المسافة الزمنية التي تفصل بينها. أربعون عاماً مرت أمام العدسة، والأشخاص الذين ظهروا فيها مضوا إلى أعمار أخرى، وبعض الأمكنة تبدل أو اختفى، فيما بقيت الصورة تحتفظ بلحظة لا يمكن للمدينة نفسها استعادتها. عندئذ يصبح عنوان «دمشقي» أوسع من دلالته الأولى: إنه اسم لعلاقة طويلة بين إنسان ومكان، استطاعت الكاميرا أن تحفظ شيئاً منها قبل أن يأخذه الزمن.






