غلاف عشرون رسماً لجبران خليل جبران

إعداد | هيئة تحرير دار خياط

زاهي رستم و«عشرون رسماً»: استحضار الغياب

ثمة كتب لا تبدأ حكاية ترجمتها من قرار بنقل نص من لغة إلى أخرى، بل من ملاحظة غياب. يعثر الباحث على أثر لكتاب، ثم يكتشف أن هذا الأثر يقوده إلى فراغ في صورة مؤلف نظن أننا نعرفه جيداً. من هذه النقطة بدأ زاهي رستم عمله على «عشرون رسماً» لجبران خليل جبران: من بحثه في الأعمال والمنشورات النادرة لأدباء المهجر، ومن اكتشافه أن كتاباً صدر لجبران بالإنكليزية عام 1919 لم يجد مكانه في الأعمال الكاملة المعربة التي تداولها القارئ العربي طوال عقود.

تمنح هذه البداية عمل رستم معناه الأبعد. فالكتاب الذي أصدره بصفته مترجماً ومحققاً لا يكتفي بإتاحة نص إنكليزي قديم بالعربية، وإنما يحاول ترميم جزء ناقص من حضور جبران في ثقافته الأصلية. والمفارقة التي ينطلق منها المشروع واضحة: كاتب عربي حظي بانتشار هائل، وجمعت أعماله وترجمت ودرست على نطاق واسع، فيما بقي كتاب كامل مرتبط بتجربته التشكيلية خارج هذه الصورة.

صدر «Twenty Drawings» في نيويورك عن ألفريد أ. كنوبف سنة 1919، وضم عشرين عملاً فنياً لجبران مع دراسة تقديمية للناقدة أليس رافائيل. يلاحظ رستم أن الكتاب لم يظهر في الأعمال الكاملة المعربة لجبران، ويربط ذلك بعدة احتمالات: طبيعته الفنية، ومحدودية طباعته، وارتباطه بجبران الرسام أكثر من ارتباطه بجبران الكاتب. ومن هذه الملاحظة تشكلت غاية المشروع كما يحددها المترجم نفسه: استكمال جانب من أعمال جبران في المكتبة العربية وإتاحة مادته للباحثين والقراء، مع إعادة الانتباه إلى مكانته التشكيلية التي حجبتها شهرته الأدبية.

وهنا تظهر السمة الأهم في عمل رستم: النص، لا ينتهي عند ترجمته.

كان من الممكن إصدار الكتاب في صورته الأصلية تقريباً: ترجمة دراسة رافائيل وإرفاقها بالرسومات العشرين. اختار رستم طريقاً آخر، وأضاف قسماً كاملاً بعنوان «قبل قراءة الكتاب»، يقع قبل المادة الأصلية ويؤسس لها سياقاً تاريخياً وفنياً. تتوزع مادته على التعريف بالكتاب، وتتبع جبران الفنان، ومشاريعه الفنية، وصومعته، وأحد معارضه التصويرية، والتعريف بأليس رافائيل ودار النشر، وصولاً إلى قائمة المراجع. وهكذا يصبح الجزء المضاف مدخلاً مستقلاً إلى التجربة التشكيلية الجبرانية، قبل أن يصل القارئ إلى كتاب 1919 نفسه.

تكشف الحواشي بصورة أوضح طبيعة هذا الجهد. فالأسماء والمدارس الفنية والمؤسسات والمتاحف والمعارض والشخصيات الواردة في المادة لا تترك معلقة أمام القارئ. يتتبعها رستم ويعرّف بها، ويربطها بمسار جبران، ويشير في مواضع متعددة إلى اختلاف الروايات أو نقص المعلومات. يبلغ الأمر أحياناً حد مساءلة المصدر نفسه: أين توجد أعمال جبران؟ ما المؤسسة المقصودة باسم ورد بصورة ملتبسة؟ ما الذي يمكن إثباته عن معرض بعينه، وما الذي بقي غير محسوم؟

هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف تصوراً للتحقيق يقوم على إظهار حدود المعرفة أيضاً. ففي بحثه عن المعرض المرتبط بالكتاب، على سبيل المثال، يعرض رستم أكثر من احتمال، ويشير صراحة إلى أنه لم يجد في المصادر التي اطلع عليها معلومات كافية لحسم مكانه وتاريخه وأحداثه. ويورد روايات مختلفة حول علاقته بمعرض 1917 في غاليري كنودلر، وعدد الأعمال التي عرضت أو بيعت. قيمة هذا المسلك أنه لا يحوّل النقص الوثائقي إلى يقين مصطنع، بل يبقي المسألة مفتوحة حيث لا تكفي الأدلة للحسم.

ويظهر المنهج نفسه منذ التعامل مع عنوان الكتاب. فقد وجد رستم أن «قاموس جبران خليل جبران» سبق أن أشار إليه باسم «عشرون رسماً»، فحافظ على العنوان العربي المتداول، ثم ناقش الفرق بين «الرسم» و«اللوحة» وسبب اختياره. قد تبدو المسألة لغوية صغيرة، لكنها نموذج لطريقته في العمل: العثور على الأثر السابق، وفحصه، ثم اتخاذ قرار تحريري معلل بدلاً من التعامل مع الترجمة باعتبارها سلسلة من البدائل اللفظية.

لعل أكثر إضافات رستم إثارة للاهتمام استعادته مادة صحفية عربية مبكرة عن أحد معارض جبران. يضم الكتاب مقالاً منشوراً في مجلة «الفنون» سنة 1917 بعنوان «جبران خليل جبران ومعرضه التصويري»، ينقل أصداء الصحافة الأميركية حول المعرض. أهمية إدراج هذه المادة تتجاوز قيمتها الأرشيفية؛ فهي تتيح للقارئ أن يرى جبران الفنان من داخل زمنه، قبل أن تستقر صورته اللاحقة تحت وطأة الشهرة العالمية لـ«النبي». ويشير رستم إلى أن هذه المقالة لم يسبق تداولها أو الإشارة إليها في السياق الذي يقدمه فيه.

ومن خلال هذه الإضافات تتغير وظيفة الكتاب نفسه. فالنسخة العربية ليست استنساخاً مترجماً لطبعة 1919، بل طبعة تحاول أن تصنع حول الأصل بيئة قراءة. يستطيع القارئ الوصول إلى نص رافائيل والرسومات مباشرة، لكنه يستطيع أيضاً أن يدخل إليهما بعد أن يعرف شيئاً عن تكوين جبران الفني، وعلاقته بفريد هولاند داي، ودراسته القصيرة في باريس، وتأثره بالرمزية، ومعارضه، ومشروع «معبد الفن»، ومصائر جانب من أعماله ومواقعها الحالية.

وتكتسب هذه الطريقة دلالة أوسع إذا وضعت ضمن المشروع الذي يعلن عنه رستم في أول سطر من مقدمته: «البحث المستمر عن أعمال ومنشورات أدباء المهجر، ولا سيما المفقود والنادر منها». فـ«عشرون رسماً» يبدو بهذا المعنى ثمرة من ثمار مشروع مستمر، لا عملاً منفرداً وقع عليه مصادفة؛ بل إن المترجم يشير إلى أنه عثر عليه أثناء بحثه عن كتاب آخر ما يزال يعمل عليه.

هذه الإشارة القصيرة ربما تكون مفتاحاً لقراءة جهد زاهي رستم كله. فهناك فرق بين مترجم ينتظر النصوص المعروفة لينقلها، وباحث يذهب إلى أطراف المكتبة باحثاً عما سقط منها. النوع الثاني يقترب من عمل المنقب: يتتبع الإشارات، ويقارن المصادر، ويستعيد الوثائق، ثم يستخدم الترجمة لإعادة المادة المكتشفة إلى التداول.

ومن هنا تأتي أهمية «عشرون رسماً». فالكتاب يعيد إلى العربية عملاً لجبران، لكنه يكشف في الوقت ذاته مقدار ما يمكن أن يبقى خارج «الأعمال الكاملة». وصف الكتاب بالكمال لا يعني بالضرورة اكتمال الأرشيف، والشهرة الواسعة لا تضمن أن تكون جميع الآثار قد وصلت إلينا بالقدر نفسه من العناية.

في هذا الفراغ تحديداً يجد مشروع زاهي رستم مكانه. إنه يقترح، من خلال الممارسة أكثر مما يفعل من خلال التنظير، أن خدمة التراث الأدبي الحديث تحتاج أحياناً إلى مترجم يتصرف كباحث، وباحث يمتلك فضول المحقق، ومحقق يعرف أن العثور على النص ليس نهاية المهمة.

وربما كانت أفضل نتيجة لمشروع من هذا النوع أن يجعل الكتاب الذي استعاده أقل ندرة، وفي المقابل يجعل سؤالاً آخر أكثر إلحاحاً: كم كتاباً ونصاً ووثيقة أخرى من تراث المهجر ما تزال موجودة في مكان ما؟

Zahi Rustom 1

Scroll to Top